الشيخ محمد الصادقي

391

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

الدنيا هو العمل الصالح النابع عن الإيمان : « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » ( 18 : 110 ) « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » ( 2 : 223 ) كدحا وسعيا وعناء في إزالة الحجب وترك الهوى حتى يلقاه : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » ( 84 : 6 ) لقاء معرفيا ورضوانا من اللّه وهي الحياة الطيبة : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . . » ( 18 : 110 ) . وأما اللقاء القرب قيوميا وعلميا فهو حاصل بين اللّه وما سواه دون كدح ، فإنه لزام ربوبيته ومربوبيتها ، كما وأن اللقاء المعرفة الضرورية بالموت ثم الحشر يعم الجميع ، مهما اختص لقاء الرحمة والثواب بالذين آمنوا وعملوا الصالحات . ف « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » هم العالمون باللّه العارفون اللّه فهم ملاقوه هنا بما خشعوا ، كما يلاقونه في الأخرى لقاء مزيد المعرفة والثواب ، والرحمة والرضوان ، فخشوعهم يدفعهم هنا إلى لقاءه - ولقاءهم يدفعهم إلى تحضيرهم للقائه منذ الموت ، وعلمهم بلقائه بعد الموت يدفعهم إلى مزيد ومزيد من خشوعهم ولقاءهم يوم الدنيا . « وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » بعد لقيا الدنيا المعرفية بالصالحات ، وبعد لقيا الحساب المؤقت في البرزخ ، ولقيا الحساب النهائي يوم القيامة ، وتكملات للقاء المعرفة والرضوان ، فمن ثمّ الرجوع إلى اللّه ، إلى عالم من الراحة والأمان ، تحت ظلال الإيمان ورحمة الرب المنان . فليست - فقط - الحياة الأخرى في القيامة الكبرى هو مجال الرجوع إلى اللّه ، مهما كان من درجات الرجوع : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » ( 2 : 28 ) حيث يتأخر الرجوع الأصل الأخير ، عن الحياة الأخيرة بعد الحياة البرزخية .